الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة مسرحية "آخر مرّة" لوفاء الطبوبي: وقائع ورمزيات من عوالم المرأة الحربية المثابرة

نشر في  13 أفريل 2021  (12:26)

ترتكز مسرحية "آخر مرّة" لوفاء الطبوبي على مشاهد مألوفة ان لم نقل يومية من واقعنا المعاش. انطلاقا من أربعة مشاهد يتواجه فيها مدير شركة بموظفة، وأمّ بابنها، وزوج شاب بقرينته، ورجل بشقيقته، ترسم المخرجة لوحات اجتماعية متعارف عليها غير أنها تكسوها بلبوس الرمزية وتبعث فيها بفضل آداء الممثلين مريم بن حميدة واسامة كشكار روحا ناطقة بهموم الانسان البسيطة ومنتصرة الى المرأة المقاومة لكافة الصعوبات التي تعترض حقها في العيش بسلام.

ففي اللوحة الاولى يلتقي في أحد المكاتب مدير بموظفة تأخرت في الالتحاق بعملها بحكم تعطل المواصلات وتهاطل الامطار ومرض ابنها الصغير. لا يتفّهم المدير هذا التأخير، وينطلق جدال أصم بين الطرفين ينتهي بصراع جسدي أحكم الممثلان ربط خيوطه، وعبّرا من خلاله عن حدّة المواجهات التي تنغّص حياتنا اليومية.

أمّا اللوحات الثلاث الاخرى، فتنقل كل واحدة منها حسب طبيعة العلاقة التي تربط الممثلين (أم وابنها- رجل وزوجته- شاب واخته) أوجه من القطيعة المتجذرة في هذه الروابط الاسرية بعيدا عن صور النفاق الاجتماعي والتراضي الزائف.

ومن خلال هذه اللوحات الاربع، تنتصر المخرجة الى المرأة بلا شعارات رنانة ولا لغة خشبية، بل بواسطة هذا الواقع المتجسد على الركح والذي يعكس الصراع الذي تخوضه في كل مرّة نساء مختلفات من أجل فرض ذواتهن ومن اجل اقتلاع حقهن في العمل وفي الحياة مهما تعددت العراقيل.

اذ تتوفق المخرجة في اعلاء صورة هذه المرأة الحربية، المثابرة، الصبورة، وحتى ان كانت مستكينة، فإنها لا تتوانى عن الصمود وعلى مواجهة ما يُكال لها من ضيم وتضييقات. ولعل الرمزية التي يمكن استقراؤها من مختلف اللوحات تعكس حجم الاضطهاد الذي تعاني منه الاف النساء يوميا في تونس وفي شتى انحاء العالم.

اذ تصمد المرأة في وجه العنف وفي وجه الاقصاء وفي وجه القوانين الجامدة، وكذلك في وجه العقليات البالية وغيرها من اللاءات التي تعترض طريقها في كل لحظة وفي كل مكان. وكما عملت المخرجة على تصوير صمود المرأة، صورت كذلك حجم "المعيقات" التي تعترضها بدءا بالمدير المتحرش وبالابن السفيه وبالزوج الاناني وبالأخ الركيك.

وهكذا يتبين حجم الصراعات اليومية التي تخوضها المرأة بفكرها وبجسدها. فقد وضعت المخرجة المرأة في صميم فعل مقاوم، فهي لا تكل من الصمود في عالم بوأ الرجل وزكاه وبارك له ووضعه في مكانة تفاضلية عن تلك التي تتموقع فيها المرأة. فكيف لهذه الأخيرة أن تحيا بسلام اذا ما كان المحيط الذي تعيش فيه متحاملا عليها، مستنقصا منها، ومتعاليا على مكانتها الطبيعية؟

كلّ ذلك ترفعه المخرجة للعيان، على ركح المسرح تحديدا لتجعل منه ذلك المألوف الذي يجب أن يفقد دوامه، ان يقطع مع استمراريته. فبمزيد التمعن فيه، تبان عبثية هذه الظروف المريرة والمتحكمة في المرأة والتي تجعل من حياتها حملا ثقيلا، مُعيقا لأي إمكانية عيش بسلام.

هذا واعتمدت الطبوبي، في عملية رسمها لهذه التجاذبات، على ارتجافة الجسد، هذه الارتجافة المتداخلة مع الموسيقى والاضاءة واستغلال الفضاء والتي شكلت روح هذا العمل المسرحي في ظلّ غياب الديكور وغيره من الاكسسوارات التي يمكن ان تثري الركح.

بتنقل الممثلين مريم بن حميدة واسامة كشكار على الركح والطاقة التي بعثاها عل ركح قاعة الريو في عرض اول انتظم بداية شهر أفريل، تداخلت عجينة المسرح ببعضها لتنقل وقائع ورمزيات من عوالم أنهكت الكثير الكثير من النساء وحرمتهم من توازنهم النفسي والعاطفي والمهني.

شيراز بن مراد